عبد الكريم الخطيب
928
التفسير القرآنى للقرآن
قوله تعالى : * « أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ » . الخطاب هنا للمشركين . وهو تقرير لتلك الحقيقة التي يشهدونها عيانا ، وهي أن الهالكين قبلهم من الأمم السابقة ، كثيرون ، وقد ذهبوا وذهبت آثارهم ، وأنهم لن يرجعوا مرة أخرى إلى هذه الدنيا . . فلم يشتدّ حرص هؤلاء المشركين على دنياهم تلك ، التي كل ما فيها باطل وقبض الريح ؟ ألا يفكرون في حياة أخرى وراء هذه الحياة ، أبقى ، وأعظم ؟ . قوله تعالى : * « وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ » . « إن » هنا نافية بمعنى « ما » و « لما » بمعنى إلّا ، أي ما كلّ إلا جميع محضرون لدنيا . . وهذا مثل قوله تعالى : « إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ » . والمعنى ، أنه إذا كانت القرون الكثيرة التي هلكت لم ترجع إلى الدنيا مرة أخرى . فإن لها رجعة إلى اللّه . . وحضورا بين يديه . . فكل من هلك من الناس راجع إلى اللّه ، للمساءلة ، والجزاء . . وفي قوله تعالى : « مُحْضَرُونَ » - إشارة إلى أن هناك قوة تستدعيهم للحضور بين يدي اللّه ، وأن ذلك ليس عن اختيار منهم ، ولو كان ذلك كذلك لكان للكافرين وأهل الضلال مهرب إلى عالم الفناء الأبدي ، حيث يذهبون ولا يعودون ، كي يفلتوا من العذاب الأليم . وإذا كان الحديث هنا عن المجرمين ، فقد كان قوله : « مُحْضَرُونَ » مناسبا لحالهم ، التي هم فيها ، والتي يمنون النفس بأن لا رجعة إلى حياة بعد